خواجه نصير الدين الطوسي

55

جواهر الفرائض ( الفرائض النصيرية )

الدقيق والتخطيط السليم الموصل إلى الغاية القصوى . ضخّم نصير الدين أمر المرصد لهولاكو وأقنعه أنّه وحدة أعجز من أن يرفع حجراً فوق حجر في ذاك البناء الشامخ ، وأنّه لا بدّ له من مساعدين أكفاء يستند إليهم في مهمّته الشاقّة ، وأنّه لا مناص من أجل ذلك من أن يجمع عدداً من الناس المختارين ؛ سواء في البلاد المحتلة أو في خارجها ، فوافق هولاكو على ذلك . وهنا هب نصير الدين إلى اختيار رسول حكيم هو فخر الدين لقمان بن عبد اللّه المراعي ، وعهد إليه بالتطواف في البلاد الإسلاميّة ، وتأمين العلماء النازحين ودعوتهم للعودة إلى بلادهم ، ثمّ دعوة كلّ من يراه كفؤاً في عمله وعقله من غير النازحين . مضى العمل منظّماً دقيقاً وانصرف العلماء بإشراف الطوسي منفذين مخطّطاً مدروساً ، فلم يمض كبير وقت حتّى كانت المكتبات تغص بالكتب ، وحتّى كانت مكتبة مراغة بالذات تضمّ مجموعة قلّ أن اجتمع مثلها في مكتبة أخرى ، وحتّى كانت المدارس تقام في كلّ مكان ، وحتّى كانت الثقافة الإسلاميّة تعود حيّة سويّة ، وحتّى كانت النفوس مشبعة بالأمل والقلوب مليئة بالرجاء ، وحتّى كان الدعاة ينطلقون في كلّ صوب والهداة ينتشرون على كلّ وجهة . . . ، ثمّ يموت هولاكو ، ولكن الإسلام الذي أراد له هولاكو الموت يظل صحيح البنية ، متوهّج الفكر ، ثمّ يموت ابن هولاكو وخليفته « ابقاخان » والإسلام لا يزال بقيادة الطوسي صامداً ، يقاتل ويقاوم ويدعو ويهدي . ويأتي بعد ابقاخان ، ابن هولاكو الآخر « تكودار » فإذا بالإسلام ينفذ إلى قلبه وعقله ، وإذا به يعلن إسلامه وتسلم الدولة كلّها بعد ذلك . وكان الطوسي قد مات سنة 672 ه - ( 1274 م ) . مات قرير العين وهو يرى طلائع الظفر مقتحمة الدنيا بموكبها الرائع وبشائر النصر هازجة بأرفع صوت وأعلى نبرة . مات الطوسي مودعاً الأمر إلى تلميذه وأقرب المقرّبين إليه قطب الدين أبو الثناء محمود بن مسعود